تطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي

يسهّل الذكاء الاصطناعي التعامل مع المشكلات المعقدة في مختلف التخصصات، ويمنحنا القدرة على معالجة تدفقات البيانات الغزيرة من مصادرها المختلفة، إذ يستخدمه الباحثون كأداةٍ لحل ما لم يكن ممكناً من دونه سابقاً، ما يجعل القطاع الطبي أحد المجالات الواعدة لنمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي فيه. فعند الحديث عن الممارسة الطبية السريرية، لا يكتسب الطبيب خبرته إلا بعد تحليله لعددٍ كبيرٍ جداً من الحالات وقضائه لسنواتٍ طويلة في التعلّم والتدريب، ويصبح قادراً أخيراً على تحديد العوامل التي تساعده على تضييق مساحة التشخيصات المحتملة، وذلك من خلال بعض الأدلة من التاريخ الطبي للمريض ونتائج الفحوصات المختبرية والأشعة. وبفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن للأنظمة الذكية أن تتدرب بطريقةٍ مماثلةٍ، ولكن بدقةٍ وٍسرعةٍ لا يمكن للبشر تحقيقها.

تشمل تقنيات التصوير الطبي طيفاً واسعاً من التقنيات، مثل التصوير باستخدام الأشعة السينية، أو بالأشعة المقطعية، أو بالرنين المغناطيسي، أو تصوير الأنسجة والخلايا الصغيرة بالمجاهر مخبرياً، ويعد التصوير الطبي واحداً من أغنى مصادر المعلومات حول المرضى وأعقدها، وتُشكل بياناته وسيلة التشخيص الأولى في الكثير من الحالات الطبية. ومع زيادة البيانات المُتضمنة في نتائج صور الأشعة بأنواعها المختلفة، أصبح استخراج المعلومات منها تحدياً كبيراً، ما يستدعي تدخل الذكاء الاصطناعي وتوظيف أدواته، حيث تنظر الخوارزميات الذكية في الصور الطبية لتحديد الأنماط بعد تدريبها، فتكون قادرةً على تحديد النتائج المثيرة للشك، وتحسب الاحتمالات المشروطة لاتخاذ القرار.

تمثيل لعمل الشبكات العصبية الترشيحية (المصدر)

تُستخدم تقنيات التعلم العميق ورؤية الحاسوب بشكلٍ أساسي في تحليل الصور الطبية، وتعد الشبكات العصبية الترشيحية (CNNs) أكثرها شيوعاً في التعرف على الصور وتصنيفها وكشف الأجسام ونحو ذلك، وهي شبكاتٌ تحاكي سلوك قشرة الدماغ، من حيث احتوائها على بنيةٍ معقدةٍ من الخلايا الحساسة للمناطق الصغيرة في المجال البصري. وتسمح بنية هذه الشبكات بتكوين ميزاتٍ معقدةٍ مثل الأشكال من ميزاتٍ أبسط مثل شدة الصورة، حيث تُمَرر الصورة المُدخلة عبر سلسلة من طبقات الخلايا العصبية لتقوم بتصنيف الكائن بقيم احتماليةٍ تُقرب إلى الصفر أو الواحد، ولمهامٍ محددةٍ مثل التمويه أو الشحذ أو اكتشاف الحواف.

تقسيمعناصر الصورة (المصدر)

هناك مفهومٌ مهمٌ آخر يُستخدم بكثرةٍ في تحليل الصور الطبية وهو تقسيم الصور، وهو أحد خوارزميات رؤية الحاسوب التي تعمل على تقسيم الصورة إلى أجزاءٍ من خلال جمع الوحدات (البكسلات) ذات السمات المتشابهة للاستفادة من أجزائها المهمة، وينتج عن تقسيم الصورة إنشاء قناعٍ بالبكسل لكل كائنٍ في الصورة، مما يعني فهماً أكثر دقةً للكائنات داخلها. وتُفيد هذه الخوارزمية في تحليل الصور الطبية لاكتشاف الخلايا السرطانية على سبيل المثال، إذ أنه من الصعب اكتشافها وتحديد أشكالها عند معالجة الصورة بكاملها في نفس الوقت.

تُرفع دقة الصور الطبية وتُحلل معلوماتها بما يتجاوز ما تراه العين البشرية أحياناً، ما يجعل من عملية التشخيص أكثر مقاربةً لواقع الحالات الطبية التي قد يصعُب إدراكها بالقدرات البشرية وحدها، كما يفيد الذكاء الاصطناعي في تقليص الوقت اللازم للتشخيص من خلال توفير المعلومات اللازمة، ليتفرغ الأخصائيون إلى الاستدلال والمعالجة.

تشتهر اللغات البرمجية مثل لغة آر وبايثون (الأكثر شيوعاً) وجوليا في أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولقد اكتسبت لغة جوليا شهرةً في الآونة الأخيرة لدعمها للمكتبات والأطر البرمجية مفتوحة المصدر، مثل MXNet، وتمتاز أنظمة التشخيص المبنية بلغة جوليا بسرعة الأداء عند تكاملها مع الخوادم والوحدات ذات الأداء القوي. ففي مشروع آي بي إم لتشخيص اعتلال شبكية العين المؤدي للعمى، وُظف الأداء السريع لجوليا واستفاد الباحثون منه في زيادة سرعة معالجة الصور وبالتالي سرعة تشخيص الأمراض. وفي نظام تشخيصٍ آخر، اُستخدمت لغة جوليا مع محرك بحث الصور الطبية ثلاثية الأبعاد ContextFlow المبني على التعلم العميق لتقليل الوقت الذي يقضيه أخصائيو الأشعة في البحث عن المعلومات.  

سوق الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية

تُشير الدراسات الإحصائية إلى أن حجم السوق العالمي للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية سيستمر في النمو، ويُتوقع أن يَصِل حجمه إلى أكثر من 28 مليار دولارٍ أمريكي بحلولعام 2025م. وُتُعدّ شركة آي بي أم IBM إحدى الشركات الرائدة التي طوّرت برامج الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، محققةً 3600 براءة اختراعٍ عالميةٍ في مجال الصحة وعلوم الحياة، وتستخدم أكثر من 230 مؤسسة رعايةٍ صحيةٍ حول العالم نظام حاسوب واتسون للذكاء الاصطناعي، وتقول الشركة أن كل شخص ينتج ما مقداره واحد مليون جيجابايت من البيانات الصحية على مدار حياته، ما يعني أن تحليل هذه البيانات يفتح فرصاً لامحدودة!

https://www.youtube.com/watch?v=XLb0xUe80uo

كيف تساعد تقنيات آي بي أم أطباء الأشعة في التشخيص. (المصدر IBM Research)

توفر آي بي أم مجموعةً من برمجيات الذكاء الاصطناعي القائمة على تحليل ومعالجة البيانات وقواعد البيانات الصحية من أجل دفع الابتكار الطبي نحو تحسين التشخيص والرعاية، مثل برنامج واتسون لتلخيص صور المريض، وهي آداة للذكاء الاصطناعي يدربها أخصائي الأشعة ويمكنها استخراج معلومات المريض من سجله الصحي الإلكتروني وعرضها كملخصٍ متزامنٍ مع نظام أرشفة الصور والاتصال. وهناك أيضاً برنامج واتسون لمراجعة التصوير السريري، وهو أداةُ للذكاء الاصطناعي لمراجعة البيانات التي تسلط الضوء على التشخيصات الأولية والنتائج العرضية للحصول على قائمة أكثر شمولًا لمشاكل المرضى.

من الشركات الحديثة التي طوّرت الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي أيضاً شركة تقنيات إماجين، وهي شركةٌ تقنيةٌ طبيةٌ تأسست عام 2016م في نيويورك بالولايات المتحدة، ووجهت جام تركيزها على تطوير الأجهزة التي تقلل الأخطاء التشخيصية لتوفير رعاية تشخيصيةٍ رائدةٍ للعالم أجمع. ومن أبرز تقنيات الشركة برنامج OsteoDetect للتشخيص والكشف عن كسور المعصم، ويوظف البرنامج تقنيات تعلم الآلة لتحليل الأشعة السينية الأمامية والخلفية والجانبية للكشف عن الكسور ذات أنصاف الأقطار البعيدة الصعبة التشخيص، واستخدام الشبكات العصبية الترشيحية لتقسيم الصورة، وإنتاج خريطة حرارية لمواقع الكُسر المشتبه بها. ويستخدم برنامج OsteoDetect الأطباء في مجالات الرعاية الأولية، طب الطوارئ، والرعاية المتخصصة، ولقد حصل على رخصة التسويق من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية في عام2018م.  

صورة بالأشعة السينية لمعصم اليد

أبرز أدوات ومنصات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في المجال الطبي:

  1. قناع الشبكة العصبية الترشيحية المناطقية Mask R-CNN: هي شبكةٌ عصبيةٌ عميقةٌ تهدف إلى حل مشكلة تقسيم الأجسام داخل الصور، ويمكنها فصل كائناتٍ مختلفةٍ في الصورة أو مقطع الفيديو، ما يعني إمكانية تحديد حدود الكائن على مستوى البكسل، وهي واحدة من أصعب مهام رؤية الحاسوب الممكنة. وتتضمن التصنيف، التقسيم الدلالي، الكشف عن الأشياء، وتقسيم الأجسام داخل صورة.
  2. إنفيديا NVIDIA: تزود إنفيديا مؤسسات الرعاية الصحية الرائدة بأدواتٍ متقدمةٍ لمعالجة البيانات وتلبية الطلب المتزايد على الطب الشخصي، ولقد اُستخدمت منصات إنفيديا لتطوير تطبيقاتٍ تسرّع مجالات تحليل الصور والبحث العلمي واكتشاف الأدوية.
  3. contextflow : هو محرك بحثٍ معتمدٍ على الصور الطبية ثلاثية الأبعاد، و يحتوي المحرك على خاصية تحديد المنطقة لاستعراض الحالات المرجعية بناءً على نمط المرض المُكتشف، بالإضافة إلى إمكانية قصر النتائج على الفئات العمرية أو الجنس أو بعض النتائج المرضية المذكورة في التقارير عبر البحث النصي، والربط بالمراجع الطبية ذات الصلة.
  4. MXNet: هو إطار برمجي للتعلم العميق مفتوح المصدر وقابلُ للتطوير، ويُستخدم لتدريب الشبكات العصبية العميقة، ويدعم لغاتٍ برمجية متعددة، ويُمكن توسيعه لتمكين حالات الاستخدام في رؤية الحاسوب ومعالجة اللغة الطبيعية والسلاسل الزمنية وغير ذلك.
المصطلحات:
المراجع