تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعزيز إجراءات السلامة

يكاد أن يكون لكل شيءٍ في العصر الحاضر اشتراطات وإجراءات للأمن والسلامة يُجمِع عليها ذوي الخبرة، وتسنّها وتتابع تطبيقها الجهات المسؤولة في لوائح واشتراطات تنظيمية، سواءً كان ذلك على مستوى صناعةٍ ما أو مهنة أو منتج. وبرغم كلّ ما يبذله الإنسان من جهدٍ لتفادي الأخطار المصاحبة لأي ممّا ذُكر من الأمثلة، يبقى القصور دائماً جزءاً من التجربة البشرية، وما تفعله الإجراءات وأدوات السلامة هي التحكم بنسبة الخطر الناتج عن ذلك القصور، وتتطور مع الزمن بتراكم الخبرات.

مجال السلامة العامة هو كغيره من مجالات الحياة في تأثرّه بالتقنيات الحديثة، فالذكاء الاصطناعي بفروعه المختلفة يُختبر اليوم في العديد من تطبيقات السلامة العامة، ومنها ما سيتعرّض لها هذا المقال كسلامة المصانع والعاملين بها، وأنظمة الاستجابة لحالات الطوارئ المختلفة مثل حوادث الغرق ومكافحة الحرائق.

سلامة العاملين في المصانع

تُعد إصابات العمل والحوادث المهنية تحدياً يواجه مختلف الصناعات، فقد يكون لها عواقب على العاملين وأصحاب العمل صحياً ومالياً. وعلى الرغم من تطور وشمولية لوائح وإجراءات السلامة الحديثة، إلا أن هناك عوامل خارج الحسبان تعجز تلك اللوائح عن تغطيتها في بعض الظروف، منها عوامل داخليةٌ ترتبط بالعامل نفسه كاستعداده وتلقيه التدريب المناسب وحالته النفسية، ومنها خارجية كظروف العمل وحالة المعدات.

تنشأ إصابات العمل عن السلوكيات الخاطئة في رفع الأحمال الثقيلة (المصدر OHS)

إن العاملين في المصانع والمخازن هم أكثر الناس عُرضةً لحوادث وإصابات العمل الصحية، ويرجع ذلك في الكثير من الأحيان إلى اتخاذ العاملين لوضعياتٍ خاطئة عند رفع الأحمال الثقيلة، أو نتيجةٍ لأداء مهامٍ متكررةٍ ينتج عنها توليد ضغط على الجسم واضطرابات عضلية وهيكلية، وأكثرها شيوعاً متلازمة النفق الرسغي. ففي عام 2017 على سبيل المثال، سجل مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل ما يقرب من 350 ألف طلب للحصول على إجازة مرضية نتيجةً لإصابات العمل، سواءً كان ذلك بسبب إصابات تؤثر على العضلات أو الأربطة أو الأوتار أو الأعصاب وغيرها.

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُساهم في الحفاظ على صحة العاملين في المستودعات والمصانع، وذلك بإرشادهم إلى السلوكيات الصحيحة بأكثر مما يفعله الإرشاد النظري، وتطرح الفكرة استخدام خوارزمية تعمل على تقسيم سلسلة الأنشطة إلى إجراءاتٍ فردية، ومن ثم حساب درجة المخاطر المرتبطة بكل إجراءٍ منها، مثل رفع صندوقٍ إلى رفٍ عالٍ، أو حمله إلى طاولة، بحيث يستطيع العمّال إجراء تقييمٍ ذاتي لهم من خلال هواتفهم الذكية، عبر أن يقوم التطبيق بمراقبة سلوكياتهم وإعطائهم ملاحظاتٍ فورية. ولقد التقط الباحثون الذين عملوا على هذه الفكرة مجموعةً من البيانات باستخدام كاميرا مايكروسوف تكينيكت، والتي سجلت مقاطع فيديو ثلاثية الأبعاد ورصدت وضع كل مفصل أثناء أداء العامل لمهامٍ مختلفة، ولقد قامت الخوارزمية المستخدمة بعد تدريبها بحساب درجات المخاطر لمختلف المهام وحددت بعض السلوكيات بأنها محفوفةٌ بالمخاطر.

اقترح مؤخراً دمج الذكاء الاصطناعي بأجهزة إنترنت الأشياء أيضاً، وهو ما يسمح بالاستفادة من قدرة أجهزة إنترنت الأشياء في جمع البيانات حول بيئة العمل والعاملين أيضاً عبر المستشعرات المتصلة والأجهزة القابلة للارتداء، فيمكن على سبيل المثال مراقبة العلامات الحيوية مثل ضربات القلب ودرجات الحرارة للعاملين، وبالتالي معرفة وضع العاملين الصحي وتحديد هؤلاء المعرضين للإجهاد واتخاذ إجراءاتٍ وقائية تجاههم، أومراقبة حالة الطقس ومستويات التلوث ودرجات الحرارة في بيئة العمل، واتخاذ اللازم تجاه أيّ مؤشراتٍ للخطر لجعل البيئة أكثر سلامةً وأماناً وراحةً.

حوادث الغرق

تصنف منظمة الصحة العالمية حوادث الغرق على أنها السبب الرئيسي الثالث للوفاة حول العالم لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمس سنوات إلى 14 سنة، وتحدث أكثر من 90% من وفيات الغرق في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتشمل تدخلات الوقاية من الغرق السياسات والتشريعات الوطنية حول سلامة المياه وأماكن السباحة، والحلول المجتمعية مثل الإشراف على سباحة للأطفال والحواجز، ومعظمها إجراءاتٌ تهدف إما لمنع الوصول إلى أماكن السباحة أصلاً، أو ترتبط بوجود شخص مسؤول كحارس الإنقاذ، فإذا غاب هذا الشخص وأمكَن الوصول إلى المياه، لم تُعد تلك الإجراءات ذات قيمة.

من هنا لجأت عدد من الشركات إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير إجراءات السلامة في بِرك السباحة، وبالتحديد استخدام تقنيات رؤية الحاسوب لتطوير أساليب المراقبة والإنقاذ، ومن تلك الشركات شركة "سويم آي SwimEye" والتي انطلقت من النرويج بابتكار نظام كشف الغرق "SwimEye"، القائم على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. يُزوّد الجهاز بكاميراتٍ تحت الماء لتتبع حركة الأشخاص داخل بركة السباحة، وتعمل خوارزميات رؤية الحاسوب والتعرف على الكائنات على معالجة الفيديو الملوّن الحي في الوقت الفعلي، وإذا رُصد أيّ حدثٍ يُوحي بالغرق كبقاء الشخص في القاع لثلاث ثوانٍ، فيُرسل الإنذار مباشرةً إلى حراس الإنقاذ بواسطة جهاز راديو محمول ليمكنهم تقييم الوضع بأسرع ما يُمكن. توفر سويم آي إمكانية تخصيص مزايا النظام بما يتناسب مع تفضيلات العميل الثقافية والدينية ولوائح الخصوصية، كإمكانية استخدام النسخة الحساسة SwimEye Sensitive التي تحجب الصور البشرية وتمنع تمييزها.

كيفية عمل نظام SwimEye

مكافحة الحرائق

تستخدم معظم أنظمة الكشف عن الحرائق التجارية مستشعراتٍ بسيطةٍ وذو دقةٍ متوسطةٍ غالباً، ما يضع قيوداً على قدرة الأنظمة في الكشف الحقيقي للحرائق، وهذه الأنواع من أنظمة الحرائق عرضةً للأعطال المتكررة، وكثيراً ما ينتج عنها إنذاراتٌ كاذبةٌ أو تأخرٌ في الاستجابة.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي في أنظمة الكشف عن الحرائق بتوظيف خوارزميات تعلم الآلة المستندة على الصور، حيث يُعدّ الذكاء الاصطناعي بشكلٍ عام مناسباً لتحديد المواقف التي يصعب تصنيفها باستخدام الميزات المستخرجة من بيانات الاستشعار. وتستخدم كل خوارزمية من خوارزميات تعلم الآلة أنواعاً محددةً من بيانات التدريب، حيث تتطلب الشبكة العصبية الترشيحية (CNN) بيانات الصورة للتعرف على الكائنات، وتُستخدم الشبكات العصبية التكرارية (RNN)لمعالجة البيانات التسلسلية مثل الصوت والنص. وتُدمج تلك الخوارزميات في أطر الذكاء الاصطناعي متعددة الوظائف لتكون أكثر مرونة بدلاً من أن تكون نتائج تدريب الخوارزميات ثابتة بعد التعلم، ولتحسين دقة الكشف عن الحرائق من خلال دمج وتحليل بيانات أجهزة الاستشعار.

تختلف نتيجة تحليل البيانات اعتماداً على الخوارزمية المستخدمة، ويُمكن تقسيم خوارزميات تعلم الآلة إلى خوارزميات التعلم السطحي والعميق. فخوارزميات التعلم السطحي مثل آلة المتجهات الداعمة، أشجار القرار، والتجميع بالمتوسطات. بينما تتضمن خوارزميات التعلم العميق الشبكات العصبية العميقة والشبكات العصبية الترشيحية التي تُستخدم لتحليل الموقف من خلال الكشف عن ميزات الصورة كالكشف عن اللهب.  

الشبكة العصبية التكرارية هي نوعٌ من الشبكات العصبية الاصطناعية تشكّل فيها الاتصالات بين العقد رسماً بيانياً موجّهاً على طول التسلسل (مصدر الصورة).

في تقدمٍ مثيرٍ، تعاون مختبر الدفع النفاث (JPL) من وكالة ناسا مع وزارة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية لتطوير تقنيةٍ أُطلق عليها اسم AUDREY، والتي تهدف لتعزيز سلامة خدمات الطوارئ والسلامة العامة. وهذه التقنية هي بمثابة مساعد لرجال الإطفاء وتعمل على جمع البيانات حول درجات الحرارة والغازات وإشارات الخطر الأخرى، وفهم تلك البيانات من خلال الاستدلال والاستخراج والتوليف. كما صُمّم AUDREY ليُدمج مع "إنترنت الأشياء"، بحيث يمكن لأجهزة الاستشعار التي يمكن لرجال الإطفاء ارتداؤها في ملابسهم أن تلتقط موقعهم من خلال نظام تحديد المواقع العالمي GPS، والحرارة في الغرف الأخرى، ووجود المواد الكيميائية والغازات الخطرة ونحو ذلك، والاستفادة من جميع البيانات والإمكانيات في توجيه رجال الإطفاء والمسعفين والشرطة بأمان من خلال توسيع إدراكهم للبيئة المحيطة بالموقف الطارئ. ويستخدم القائمون على المشروع المنطق المعقد لمحاكاة التفكير البشري، مما يسمح بتقديم معلوماتٍ أكثر فائدةٍ من نظام الذكاء الاصطناعي التقليدي.  

أدوات الذكاء الاصطناعي الشائع استخدامها في تطبيقات الأمن سلامة

SightMachine منصة بيانات موحدة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي ، وصُممت خصيصاً للتعامل مع المهام الصعبة في المصانع مثل استيعاب ومزج تدفقات البيانات في الوقت الفعلي من جميع مصادر إنترنت الأشياء ودمجها مع معلومات الجودة والمدخلات الأخرى، نمذجة العلاقات المتبادلة بين الآلات والعمليات طوال الإنتاج، وتحليل المسارات التاريخية لتحديد درجة الحرارة المثلى، والضغط، والإعدادات الأخرى لكل المعدات.

مكتبات ونماذج رؤية الحاسوب مفتوحة المصدر

برمجيات المراقبة مفتوحة المصدر

مشروع YOLO لرصد الكائنات تحت الماء باستخدام كاميرا الراسبيري باي

المصطلحات
المراجع