الذكاء الاصطناعي في الزراعة والبيئة

لطالما عمد البشر على تطوير أساليب الزراعة ومعداتها على مدى آلاف السنين، فهي من أقدم المهن في تاريخ البشرية التي كانت ومازالت المصدر الرئيسي للغذاء وركيزةً اقتصاديةً للعديد من الدول، إلا أن قطاع الزراعة يواجه الكثير من التحديات حالياً، إذ ينافس النمو والتوسع العمراني السكاني  الأراضي الزراعية، كما شهدنا مؤخراً نزوحاً لليد العاملة من المناطق الزراعية النائية إلى المدن المركزية، ورصد الخبراء عزوفاً للأجيال الصاعدة عن مهنة الزراعة، خاصةً وأنها لا زالت متأخرةً عن مواكبة التطور التقني مقارنةً ببقية الصناعات.

من المتوقع أن ينمو سكان العالم بنحو مليارين إضافيين بحلول عام 2050م، ويقابل ذلك نمواً بحوالي 4% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة. هذه النسب غير المتكافئة تحمل في مضمونها عدة تحدياتٍ مثل انخفاض المحاصيل الزراعية مقابل الطلب، ارتفاع الأسعار المحاصيل، وتزايد المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي في حال استمر المزارعون في تبنّي الأساليب التقليدية للزراعة.

تستطيع التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي دفع عجلة الابتكار لمجابهة تلك التحديات، ومساعدة قطاع الزراعة في إنتاج الكثير من المحاصيل من أراضٍ محدودة المساحة، وتزويد سلاسل الإمداد الغذائية بمحاصيل أكثر صحةً بأقل قدرٍ ممكنٍ من الهدر الغذائي، والمكافحة الاستباقية للآفات التي تشكل الهاجس الأول للمزارعين. وسيكون من المهم حصول المزارعين على التدريب الكافي لاستخدام التقنيات الحديثة لضمان الاستفادة منها واستثمار قيمتها على المدى الطويل، ولإثبات جدوى تلك التقنيات في قطاعٍ يغلب عليه اللايقين لتأثره بالعوامل البيئية التي لا يُمكن التحكم بها، مثل الاحتباس الحراري والكوارث الطبيعية.

جمع البيانات الزراعية والبيئية ومعالجتها

البيانات هي حجر الأساس للتقنيات الحديثة، إذ لا يمكن تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي إلا بالكثير منها، وكلما حصلنا على بياناتٍ أكثر كلما استطعنا استخلاص معلوماتٍ أدق حول البيئة الموّلدة للبيانات، واتخاذ قراراتٍ أكثر مقاربةً للصواب. وتُولّد المزارع كمّاً هائلاً من البيانات يومياً، متمثلةً في درجات الحرارة، الطقس، الرطوبة، ظروف التربة وأنواعها وحموضتها، حالة المحاصيل، الآفات الزراعية، وكمية المياه وملوحتها، ونحوها، وتزداد قيمة هذه البيانات عند الحصول عليها بشكلٍ فوري. وتُجمع البيانات الزراعية باستخدام عدة وسائل، حيث تعمل المستشعرات المختلفة وأجهزة إنترنت الأشياء على جمع بيانات العوامل الأرضية، مثل مستشعرات درجات الحرارة والرطوبة، وأجهزة تحليل عناصر التربة، بينما تعمل الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيّار على رصد البيانات من منظورٍ أوسع، حيث تعمل على مراقبة المزارع على مساحاتٍ أوسع في أوقاتٍ وجيزة، والتقاط الصور للنباتات والمقارنة بقواعد بيانات الصور، ورصد العلامات غير المرغوبة. وتُغذّى أنظمة الذكاء الاصطناعي بجميع هذه البيانات للحصول على تصوّرٍ دقيقٍ حول ظروف الأراضي الزراعية.

صورة بالأقمار الصناعية لمراقبة صحة المحاصيل الزراعية

تُدمج الآليات البسيطة نسبياً والتي تعمل على رصد العوامل المختلفة مع التقنيات الأكثر تعقيداً مثل خوارزميات تعلم الآلة والتعلم العميق، وتؤخذ بعين الاعتبار أيضاً مصادر المعلومات الخارجية مثل بيانات وكالات الطقس وبيانات السوق، وتتكامل هذه التقنيات مع بعضها لتحليل البيانات ومعالجتها واستخلاص التنبؤات ذات القيمة، كأن يعرف المُزارع وقت بذر البذور، ووقت السقي، والوقت الأمثل للحصاد، وكمية مقدار السماد المناسبة لمنطقةٍ محددةٍ، وماهية الآفات المتوقعة وكيفية حماية المحصول منها.

عند التحدث عن الذكاء الاصطناعي وتقنيات تعلم الآلة، فهي أنواعٌ من الخوارزميات والنماذج الرياضية التي نتمكن من خلالها من التعامل مع البيانات ومحاكاة القدرات المعرفية البشرية لاتخاذ القرارات، وتُعدّ الشبكات العصبية والتعلم العميق الأكثر استخداماً في قطاع الزراعة والبيئة. ومن ضمنها خوارزمية آلة المتجهات الداعمة (SVM) وهي خوارزمية تُستخدم للتصنيف والتجميع بشكلٍ عام، وللتنبؤ بالمحاصيل وجودتها وإنتاج الماشية. كما يكثر استخدام خوارزمية التجميع بالمتوسطات، وهي نوع من الخوارزميات الوصفية غير الموجهة وأحد أشهر خوارزميات التجميع، تعمل على تقسيم البيانات بناءً على خصائصها إلى مجموعات ذات عدد معين (K)، بحيث تحتوي كل مجموعة على عناصر متشابهة. كما تُستخدم شبكات بايزي، وهي نوعٌ من النماذج الرسومية الاحتمالية التي تُستخدم لبناء نماذج من البيانات ورأي الخبراء، وتُستخدم لمجموعةٍ واسعةٍ من المهام مثلا لتنبؤ والكشف عن البيانات الشاذة، التنبؤ بالسلاسل الزمنية، واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين.

شبكة بايزي

تطبيقات تجارية قائمة

يستخدم المزارعون الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بغلة المحاصيل ومراقبة التربة والمحاصيل لتمكينهم من الاستجابة للعوامل المختلفة وزيادة الإنتاجية، وتتسم غلة المحاصيل بالتعقيد لاعتمادها على عدة عوامل وراثيةٍ وبيئيةٍ، وهي ذات أهميةٍ كبيرةٍ للمزارع الصغيرة في البلدان النامية على وجه الخصوص، لمحدودية بياناتها ومعرفتها، ولكونها تنتج أكثر من نصف محاصيل العالم.

https://www.youtube.com/watch?v=oot55bK62pk - مستقبل الزراعة. المصدر (Cambridge Consultants)

VineView هي إحدى الشركات الأكثر ابتكاراً في كندا،حيث تعمل على توظيف تقنياتها لتمكين المزارعين من إدارة محاصيلهم ومراقبتها وتقليل الضرر البيئي لعمليات الزراعة وتحسين جودة المحاصيل والغلة، وتستخدم الشركة الطائرات بدون طيار وأجهزة الاستشعار وخوارزميات معالجة الصور المستندة على السحابة. ففي مزارع العنب على سبيل المثال، يقوم المستخدمون ببرمجة مسار الطائرة بدون طيار ومن ثم نقل البيانات الملتقطة إلى خادمٍ سحابي، وتستخدم الشركة خوارزمياتٍ تعمل على دمج وتحليل الصور والبيانات لتقديم تقريرٍ مفصّلٍ عن صحة العنب، لا سيما حالة أوراقه لكونها المؤشر الأول حول أمراض العنب مثل العفن والبكتيريا، فقراءة "صحة" الأوراق يكون مفتاحاً لفهم صحة النباتات وثمارها ككل.

يمكن لأجهزة استشعار الذكاء الاصطناعي الكشف عن الأعشاب الضارة واستهدافها ثم تحديد مبيدات الأعشاب المناسبة داخل منطقةٍ معزولةٍ ومحددةٍ بدلاً من رش المحصول بأكمله، مما يجعل الغذاء أكثر نظافةً وسلامة ويقلل التكلفة. وحول توظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة التربة والمحاصيل للحفاظ على سلامتهما، طوّرت شركة PEAT الناشئة الألمانية في مجال التقنية الزراعية تطبيقاً يسمى بلانتيكس (Plantix)، ويهدف إلى تحديد العيوب المحتملة ونقص المغذيات في التربة، وذلك من خلال إجراء التحليلات بواسطة خوارزمياتٍ برمجيةٍ تربط أنماط أوراق الشجر الخاصة ببعض عيوب التربة والآفات والأمراض النباتية. ويستطيع التطبيق تحديد العيوب المحتملة من خلال الصور التي تلتقطها كاميرا الهاتف الذكي للمستخدمين، ومن ثم يزودهم بالنصائح والحلول الممكنة.

https://www.youtube.com/watch?v=1M6rkCQ_eJY - كيف يعمل تطبيق بلانتيكس (المصدر Plantix)

أما للحماية من التأثيرات البيئية الخارجية، تُستخدم الدفيئات الزراعية على نطاقٍ واسع، وهي بيوتٌ زجاجيةٌ تحمي المحاصيل من العوامل الخارجية مثل المطر، الرياح، درجات الحرارة، والآفات. وتُجهّز الدفيئات الزراعية الحديثة ذات التقنية العالية بخوارزميات التحكم بالمحركات والمستشعرات، مثل الري والتدفئة والإضاءة، لتهيئة المناخ الأمثل بناءً على البيانات المُقاسة وتحسين إنتاج المحاصيل.

80 Acres Farms هي شركةٌ رائدة في مجال الزراعة الداخلية مقرها ولاية أوهايو الأمريكية، وتملك حالياً سبع منشآت في الولايات المتحدة وتخطط للتوسع دولياً. حيث افتتحت الشركة أوّل مرفقٍ زراعي داخلي مؤتمتٍ بالكامل في العالم عام 2018م، حيث يُراقب الذكاء الاصطناعي كل خطوة من خطوات النمو، وتستطيع تقنيات الشركة معرفة تطور الورقة وإذا ما كان هناك أيّ نقصٍ في المغذيّات، والنخر من خلال رؤية الحاسوب، وإدارة التمثيل الضوئي للمحاصيل التي تنمو تحت إضاءة الثنائيات الباعثة للضوء LED مثل محاصيل الخس والعنب، ولقد توصلت الشركة لإمكانية زراعة محاصيلها في بيئةٍ زراعية مغلقة بسرعة أكبر وأغنى بالمغذيات.

الزراعةالداخلية الذكية تحت إضاءة LED (مصدر الصورة IGrow)

أدوات ومنصات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مجال الزراعة والبيئة

المصطلحات:
المراجع